فخر الدين الرازي
27
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
أتته وليست في يده وإنما استطاع أن يلقي من يده ما ليس في يده فذلك محال ، أما قوله : فَأَلْقاها فَإِذا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعى ففيه أسئلة : السؤال الأول : ما الحكمة في قلب العصا حية في ذلك الوقت ؟ الجواب فيه وجوه : أحدها : أنه تعالى قلبها حية لتكون معجزة لموسى عليه السلام يعرف بها نبوة نفسه وذلك لأنه عليه السلام إلى هذا الوقت ما سمع إلا النداء ، والنداء وإن كان مخالفا للعادات إلا أنه لم يكن معجزا لاحتمال أن يكون ذلك من عادات الملائكة أو الجن فلا جرم قلب اللَّه العصا حية ليصير ذلك دليلا قاهرا والعجب أن موسى عليه السلام قال : أتوكأ عليها فصدقه اللَّه تعالى فيه وجعلها متكأ له بأن جعلها معجزة له . وثانيها : أن النداء كان إكراما له فقلب العصا حية مزيدا في الكرامة ليكون توالي الخلع والكرامات سببا لزوال الوحشة عن قلبه . وثالثها : أنه عرض عليه ليشاهده أولا فإذا شاهده عند فرعون لا يخافه . ورابعها : أنه كان راعيا فقيرا ثم إنه نصب للمنصب العظيم فلعله بقي في قلبه تعجب من ذلك فقلب العصا حية تنبيها على أني لما قدرت على ذلك فكيف يستبعد مني نصرة مثلك في إظهار الدين . وخامسها : أنه لما قال : هِيَ عَصايَ أَتَوَكَّؤُا عَلَيْها إلى قوله : وَلِيَ فِيها مَآرِبُ أُخْرى فقيل له : أَلْقِها فلما ألقاها وصارت حية فر موسى عليه السلام منها فكأنه قيل له : ادعيت أنها عصاك وأن لك فيها مآرب أخرى فلم تفر منها ، تنبيها على سر قوله : فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ [ الذاريات : 50 ] وقوله : قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ [ الأنعام : 91 ] . السؤال الثاني : قال هاهنا حية وفي موضع آخر ثعبان وجان ، أما الحية فاسم جنس يقع على الذكر والأنثى والصغير والكبير ، وأما الثعبان والجان فبينهما تناف لأن الثعبان العظيم من الحيات والجان الدقيق وفيه وجهان : أحدهما : أنها كانت وقت انقلابها حية صغيرة دقيقة ثم تورمت وتزايد جرمها حتى صارت ثعبانا فأريد بالجان أول حالها وبالثعبان مآلها . والثاني : أنها كانت في شخص الثعبان وسرعة حركة الجان ، والدليل عليه قوله تعالى : فَلَمَّا رَآها تَهْتَزُّ كَأَنَّها جَانٌّ * . السؤال الثالث : كيف كانت صفة الحية . الجواب كان لها عرف كعرف الفرس وكان بين لحييها أربعون ذراعا ، وابتلعت كل ما مرت به من الصخور والأشجار حتى سمع موسى صرير الحجر في فمها وجوفها ، أما قوله تعالى : قالَ خُذْها وَلا تَخَفْ سَنُعِيدُها سِيرَتَهَا الْأُولى ففيه سؤالات : السؤال الأول : لما نودي موسى / وخص بتلك الكرامات العظيمة وعلم أنه مبعوث من عند اللَّه تعالى إلى الخلق فلم خاف . والجواب من وجوه : أحدها : أن ذلك الخوف كان من نفرة الطبع لأنه عليه السلام ما شاهد مثل ذلك قط . وأيضا فهذه الأشياء معلومة بدلائل العقول . وعند الفزع الشديد قد يذهل الإنسان عنه . قال الشيخ أبو القاسم الأنصاري رحمه اللَّه تعالى وذلك الخوف من أقوى الدلائل على صدقه في النبوة لأن الساحر يعلم أن الذي أتى به تمويه فلا يخافه البتة . وثانيها : قال بعضهم : خافها لأنه عليه السلام عرف ما لقي آدم منها . وثالثها : أن مجرد تلك الطاعة لكن قوله : لا تَخَفْ لا يدل على حصول الخوف كقوله تعالى : وَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ * [ الأحزاب : 1 ] لا يدل على وجود تلك الطاعة لكن قوله : فَلَمَّا رَآها تَهْتَزُّ كَأَنَّها جَانٌّ وَلَّى مُدْبِراً * [ النمل : 10 ] يدل عليه ، ولكن ذلك الخوف إنما ظهر ليظهر الفرق بينه وبين محمد صلى اللَّه عليه وسلم فإنه عليه السلام أظهر تعلق القلب بالعصا والنفرة عن الثعبان ، وأما محمد عليه السلام فما أظهر الرغبة في الجنة ولا النفرة عن النار . السؤال الثاني : متى أخذها ، بعد انقلابها عصا أو قبل ذلك . والجواب : روي أنه أدخل يده بين أسنانها فانقلبت خشبة والقرآن يدل عليه أيضا بقوله : سَنُعِيدُها سِيرَتَهَا الْأُولى وذلك يقع في الاستقبال ، وأيضا فهذا أقرب للكرامة لأنه كما أن انقلاب العصا حية معجزة فكذلك إدخال يده في فمها من غير ضرر معجزة وانقلابها خشبا معجز آخر فيكون فيه توالي المعجزات فيكون أقوى في الدلالة . السؤال الثالث : كيف أخذه ،